عاجل

image

"لا أقبل المواعدة على فنجان قهوة"...النسوية "خرّابة بيوت"!

 

"أنا لا أقبل المواعدة على فنجان قهوة، ولا في نزهة على الأقدام، أو مواعيد اللحظة الأخيرة. يجب أن أرى المجهود. عليه أن يحجز مطعماً فاخراً للغاية. وأريد أن أرى مائدة مليئة بالطعام".

بهذه الكلمات، أشعلت نور الحاج، المتسابقة اللبنانية في برنامج المواعدة "الحب أعمى"، جدلاً واسعاً في السوشال ميديا، ما زال يتفاعل منذ بثّ حلقات السلسلة في "نتفليكس" في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ولعلّ الاستهجان الذي أثاره هذا الحديث مردّه لأسلوب قبل المضمون. فالمشكلة ليست تحديداً في تبنّي امرأة عصرية موقفاً ماديّاً من هذا النوع، بل في إشهارها له، بصراحة فجّة تخلو من أي شعور الحرج. فنور لا تحرجها نظرة المجتمع الذكوري التي تثمّن جسدها ووجودها عموماً، وهي لا تخجل أيضاً من العين النسوية الرقيبة التي قد تراها متواطئة في تسليع نفسها.

لذلك تُحدث نور- وهي ليست مجرّد فرد وإنما رمز لظاهرة أوسع- ارتباكاً على الجبهتين الذكورية والنسوية على حدّ سواء


النسوية في نكوص
بمعزل عن طابعه الاستفزازي، يستدعي كلام نور التفكير بشكل أعمق في عوامل انتشار هذا الخطاب. أو بعبارةٍ أخرى، في إخفاقات الحركة النسوية التي تتحمّل المسؤولية الأكبر عمّا تعانيه- والنساء عموماً- من نكوص.

هذا النكوص يأتي ضمن سياق ظاهرة عالمية متنامية، يمكن ربطها بما سمّته الصحافية والناقدة ماري هارينغتون بـ"النسوية الرجعية" (Reactionary Feminism). وهو تيار ينأى بنفسه عن التقليد النسوي الذي يحتفي بالمرأة المستقلة والمسؤولة عن ذاتها، ويتبنى نموذج التبعية الاقتصادية للرجل باعتباره المعيل الأساسي. وفي جوهرها، تدعو هذه الفلسسفة للعودة إلى الأدوار الجندرية التقليدية التي تحقق للمرأة نوعاً من الحماية أو الاستقرار الماديّ.

تعيش هذه الأيديولوجيا في فضاء إلكتروني يُعرف بـ"الفاموسفير"، وهو نظير "المانوسفير" الذي يضم كارهي النساء والعازبين الغاضبين (Incels) والمحرضين على العنف ضد المرأة. أما في المساحات النسائية السامّة، فتتجلى النسوية الرجعية في خطاب يحرّض النساء على رفض مكتسبات المساواة الجندرية، والتماس الأمان المالي من الرجل. منصات مثل "ريديت" أصبحت مرتعاً لمؤثّرات يقدمن نصائح حول "استراتيجيات المواعدة"، التي تهدف إلى العثور على الشريك/المعيل أو "الشوغر دادي"، مختزلةً العلاقات الجندرية في إطار المنفعة الاقتصادية المتبادلة.

النسويات خرّابات البيوت
راكبات هذه الموجة، ومنهن نور وكذلك كارول سماحة التي ترى أن كثرة الاستقلالية لدى المرأة "تأكل وَهرة الرجل"، قد يتموضعن في المعسكر النسوي أو المعسكر المعادي. لكنّهن في الحالتين يؤمنّ بالفروق الجوهرية بين الجنسين، وبالتالي باختلاف الأدوار. ينجذب مزيد من النساء إلى هذه الأيديولوجيا كشكلٍ من أشكال التمرّد على النسوية النيوليبرالية التي سيطرت على المشهد خلال العقود الأخيرة، والتي حرمت -برأيهن- النساء من بعض امتيازاتهن "الطبيعية" من دون أن تقدّم بديلاً حقيقياً.


فدخول المرأة سوق العمل لم يحرّرها من أعباء العمل المنزلي والإنجابي، بل أضاف أعباء جديدة تتمثل في تحقيق معايير نسوية مثالية تشمل الاستقلالية والموازنة بين الحياة المهنية والأسرية. كما فشلت الحركة النسوية في معالجة القضايا الهيكلية المتعلقة بالعمل والمال وعلاقات السلطة الجندرية. فهي أهملت أموراً أساسية تخصّ واقع النساء، كالعمل المنزلي غير مدفوع الأجر وسياسات الرعاية وتوزيع المسؤوليات الأسرية، بالإضافة الى عدم اعترافها بالدور الإنتاجي للأمومة والرعاية.

هذا الموقف الذي عبّرت عنه نور بطريقة أقلّ علميّة، قائلةً "اللي خربولنا بيتنا هني الفيمينست". ببساطة، تشعر نور ونساء كثيرات أخريات، أنهن يملكن قوّة تفاوضية مع الزوج/الشريك تتجاوز قدرتهن على مفاوضة المدير والمؤسسة... ومن خلفهما نظام اقتصادي كامل. فلا يخفى على احد أن الزواج أو الارتباط بشريك ثري يبقى أحد السبل القليلة المتاحة للارتقاء الطبقي في نظام كهذا.

لذلك تقول هارينغتون أن على النساء التفاوض على شروط اقتصادية واجتماعية جديدة، لكن ليس بروح الصراع والنديّة، انما بالتضامن مع "أصدقائهم، أزواجهم، آبائهم، وأخوانهم...". لكن في ظلّ اختلال موازين القوى، هل يمكن الحديث عن تضامن فعليّ يخدم مصلحة الطرفين بشكل متكافئ؟

يغفل هذا الطرح تأثير السلطة المتأصلة في البنى والمؤسسات الاجتماعية التقليدية، والتي تنحاز تلقائياً إلى الرجل. كما يصرف النظر عن مسألة الحرية لصالح "الأمان"، متناسياً أن العديد من الامتيازات التي تعتبر اليوم حقوقاً بديهية للنساء (مثل حرية اللباس والحركة والتواجد في المجال العالم) قد تمّ انتزاعه بعد نضالات طويلة وشاقّة. فهل تعتقد النسويات "المُكافحات للتقدّم" أن بإمكانهن الحفاظ على هذه الحقوق مع التخلّي عن الاطار النضالي الذي كان السبب في تحصيلها؟

الغاية مُحافظة..والحُجّة نسوية
تعجز النسوية اليوم عن الوفاء بوعد التحرّر الشامل، مع ارتطام موجتها الثالثة بسدّ منيع يتجسّد في البُعد الاستلابي للعمل. وعليه، انصرفت النساء إلى البحث عن حلول أخرى.

لكن الحلّ الذي تقترحه النسوية الرجعية لا يختلف كثيراً عن حلول نظيرتها الليبرالية، باعتباره حلاً فردياً لا يعالج الواقع السياسي للنساء، بل يعيد تشكيلهن كطبقة جنسية تخضع لمنطق السوق. يعكس ذلك إشكاليات شائكة مثل تسليع الحميمية والعلاقات. كما يكشف عن تناقضات عميقة بين الحاجة إلى التحرر من عبء العمل والاستسلام لأدوات قهر بديلة.

عصارة هذا التخبّط الفكري هو خليط أيديولوجي عجيب غايته محافظة، ووسيلته ذكورية. أما الحجة؟ فنَسَوية. يصعب إيجاد مخرج من هذا المأزق عبر الأطر النسوية الليبرالية أو التقليدية المحافظة. لكنّ المشكلة هي مفتاح الحلّ الذي يستدعي مقاربةً اقتصادية وليست جندرية. فالنسوية الرجعية ليست تمسكاً بالأدوار الجندرية التقليدية، بقدر كونها رفضاً للعمل بنظامه الحالي.

على مدى قرنين، أجرت النساء دورة كاملة في فلك النسوية، فعدن بها الى نقطة الانطلاق. بعدما ناضلت جدّاتنا وأمهاتنا لتأمين مكانة للمرأة في المجال العام، ها هن الحفيدات يهجرنه بمحض إرادتهن. فهل اكتملت الدائرة بخذلان متبادل؟

يارا نحلة - المدن

 

  • شارك الخبر: